مدخل لدراسة الهويات الوطنية "دراسة سوسيولوجية لحالة الهوية الأردنية"

      شهدت السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا في الدراسات التي تناولت موضوع الهوية واستأثرت باهتمام العديد  من الباحثين والمفكرين . وقد عالج الفكر الفلسفي الإغريقي  منذ البداية مسألة الهوية باعتبارها احد مبادئ المنطق  ومقولة من مقولات الكينونة، وقد تعدّت اليوم نطاق البحث  الفلسفي الى المجال المعرفي وأصبحت إشكالية تميز كل ثقافة بالذات كما تعدّت ذلك لتصبح أزمة تعيشها الجماعات الثقافية في صميمها.

    يرى كلود ليفي شتراوس ان مسألة الهوية تقع اليوم على مفترق طرق فهي تهم مختلف الميادين العلمية  المختلفة ،وهذا الاهتمام الكبير  الذي  يبديه  الفكر بمسالة الهوية  يعبر عن أزمة هوية .ويرى شتراوس أنها قد أصبحت تمثل " الداء الجديد"الذي يميز عصرنا، وهذا لا يعني الالتفات  إلى المظاهر الذاتية  لهذه الأزمة بقدر ما يعني النظر  الى  الشروط الموضوعية التي تعكسها أزمة الهوية أو تشكل عرضا من إعراضها وهذا يدفعنا الى البحث  عن بعض جوانب هذه  الشروط (1) وقد نتج عن التعاطي  المتعدد مع مفهوم الهوية مشكلة كبرى طرحت دوما على المجال الثقافي المعرفي بشكل خاص وهي مشكلة التسمية ومشكلة تحديد الكلمات والأشياء بناء على مفهوم اجتماعي  واضح ومتميز ،وبعض الكلمات العربية المستخدمة في تداولها تعاني من الالتباس الواضح في دلالاتها بالرغم من الاجتهادات هنا وهناك، الا ان المشكلة بقيت تؤرق الباحثين والمفكرين العرب .

      ويعد مفهوم الهوية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والنقاش والأكثر سعيا للتشابك والتداخل في سياقات معرفية ومفاهيمية وهذه جميعها إعادة وباستمرار طرح سؤال الهوية. إن التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، والتطور التكنولوجي الكبير الذي أصبح يهيمن على حياة البشر أدت إلى خلخلة كل هوية مستريحة اذ من المستحيل اختزالها في معنى واحد لان الهوية باعتبارها رفضا دائما لأي أصل مطلق او مصدر متعال لا يحيل على خزان ثقافي، وإنما على ثقافة حية وعلى النشاط الذي ينتجها ويستوعبها من خلال مجاوزتها ،هي بالإضافة  الى ذلك تلتقي مع القدرة على دمج الاختلافات  التي تشكل غنى وسمو الإنسان .

*مدير مركز الثريا للدراسات، باحث متخصص في قضايا الإعلام والاجتماع والسياسة.

(1)    اوردته دينز كاندبوني ،ازمة الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار وحقوق المرأة في الشرق الاوسط ،منشورات الجامعة اللبنانية الأمريكية 1999

    ومن جهة اخرى  تعتبر مقولة الاختلاف والحق في الاختلاف في سياق التبرير لسلسلة من الانتهاكات والتجاوزات، مما يجعل رهان الهوية يتأرجح بين الارادة المهووسة للاحتواء الايدلوجي وبين بلاغة المستحيل، وهذا يجعل سؤال الثقافة ينتظر ايضا ، فالثقافات متنوعة فهناك من تمتلك القدرة على الاستقبال والضيافة والانفتاح وهناك من تفرز مقاومات وعناصر للاستبعاد والاستقصاء ،وهذا يبرر المشكلة الجوهرية وهي مشكلة الاعتراف بالاخر وتقبل اختلاف الغير ،وهذا يؤدي الى غياب  التعاون واستحضار الصراع ، لان تنوع الثقافات الإنسانية يوجد وراءنا وحولنا وامامنا،  والشرط الوحيد الذي يمكن صياغته  هو المطالبة بضرورة تحقيق التنوع في مختلف اشكاله وانماطه،بحيث يسهم كل شكل ونمط في العطاء للإنسانية جمعاء (1) . وقد زاد من اشكاليات الهوية حالة المجتمع العربي المأزوم  والمتأرجح بين الدعوة الى هويات مختلفة، فتارة  الدعوة الى هوية عربية، وتارة اخرى الى هوية اسلامية، واحيانا هويات قطرية، وكانت في معظمها تنطلق من نظرة سلفية  او راديكالية وهذا ادى في وقتنا الحاضر الى قيام الدولة القطرية اما باحتضان تلك الهوية او التصدي لها، وفي المقابل ساهمت تلك الدول القطرية في مراحل تطور بنيتها السياسية والاجتماعية في بلورة نوع جديد من الهوية يأخذ على عاتقه محاولة فهم طبيعة النسيج الاجتماعي المكون لمجتمعاتها (2).

         ان القول بأن المجتمعات العربية والاسلامية تختلف جذريا عن الغرب من حيث افتقارها الى ما يسمى بروح المجتمعات المدنية القادرة على مقاومة الدولة الاستبدادية قد اعاد التأكيد على ضرورة  البحث في مفهوم الهوية من خلال اعادة اكتشاف عناصر الذات العربية وافاق تفاعلها الاجتماعي والسياسي عن طريق مضاعفة مناعة المجتمع وتماسكة وتفعيل التنمية وتخطي السلوكيات الاثنية والطائفية والدينية والعشائرية لإعادة الاعتبار للدولة العربية الحديثة ، التي تشكلت بعد الاستقلال وخروج الاستعمار.

         ويقوم مبدأ الهوية على ان الموجود هو ذاته ،او ما هو عليه، وانطلاقا من ذلك فان مفهوم الهوية يتم ربطه دائما بمفهوم الوحدة اي بحسب الطرح التقليدي الذي يركن الى سكون الدلالة اللغوية ، الفراغ الذي يدوم في انسجام تام وفاتر بعيدا عن كل علاقة ، الا انه ومن جهة أخرى يبدو أنة لا يحق لنا التفكير بالهوية انطلاقا من معنى الوحدة المنسجمة خصوصا بعد ظهور الفارق بين النظريات الكلاسيكية والواقع المعيش، الذي يذهب باتجاة تكريس صيغ التعدد داخل هذه الهويات الموحدة والمنسجمة  (3).

--------------------------------------------------------                        

(1)كلود ليفي شتراوس، الانثروبولجيا البنيوية ،ترجمة مصطفى صالح ،دمشق،1997.

 (2) ناصر احمد كامل، إطار نظري لدراسات الهوية الوطنية ،ورقة غير منشورة، بدون تاريخ، عمان.

(3) مراد وهبة ، المعجم الفلسفي ،ط 3 ، القاهرة ، دار الثقافة الجديدة 1979

 

              ومصطلح الهوية من بين هذه الكلمات التي تطالب بحقها في تقديم تفكير مناسب لسياقات استعمالها ، فهي الأكثر اثارة للجدل ، والأكثر سعيا للتشابك والتداخل في سياقات معرفية ومنظومات مفاهيمة  كانت حتى هذا الوقت تشكل تخوما ساخنة يصعب الاقتراب منها ،فها نحن الان نقارب مواضيع من مثل (المواطنة، التاريخ، العولمة، القومية، الاسلام، الجنس، الاسرة الطبيعية ... الخ) .

       انطلاقا من التواضعات المعاصرة لمفهوم الهوية ،وهي تواضعات اختزنت كل ما آلت اليه انجازات الفكر الحداثي وما بعد الحداثي والذي شهدنا اثارة كانقلابات  ثورية عمت مختلف  تفاصيل الحياة  وقلبت كل ما هو ساكن وبديهي حتى هذا الوقت في صميم عقلنا وثقافتنا وتراثنا، فهي " أي الهوية"  بتأرجحها هذا بين كل تلك المواضيع ولّدت قلقا حقيقيا لدى الفرد او الجماعة التي وجدت نفسها امام امتحان تاريخي وحضاري لا مفر من ضرورة التعاطي مع مستلزمات بناءة . كيف يمكن إذاً  اعادة التفكير  في سؤال الهوية ،هنا والان؟ كيف يمكن القبض عليها في واقعها المنزاح او في الهوية في تجذرها الثقافي. ما هو الافق الذي يمكن ان توفره لنا هذه المحاولة لمقاربة امتدادات سؤال الهوية ؟ 

 

      لقد دار معظم هذا البحث حول تصور ديني سياسي لهوية الامة ينطلق من نظرة سلفية راديكالية مصممة على تجاوز الواقع في اتجاه  بعث الوحدة الاسلامية الشاملة واستعادة  الوضع الاسلامي  المجيد من خلال مجموعة من التنظيمات والحركات السياسية والاجتماعية " المتعددة الابعاد ، التي اخذت تكتسح المجال الاجتماعي عبر موجات متتالية غمرت بالتدريج كل جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم واداب  واقتصاد وسياسة ، فكل المستويات ( الفوقية والتحتية) اصبحت وبطريقة ما خاضعة لها، ولا ينجو منها أي جانب ، فحتى الهندام وكيفية الضحك والحب يمكن ان تخضع لها في وقت ما ...، وهذه الحركة غالبا ما تكون مستبدة ، ترفض  ان ينحصر نشاطها في المجال الديني فقط وهي لا تقرر بالفصل بين الدين والحياة الاجتماعية بصورة عامة ، ويعتبر هذا الفصل موقفا غربيا لا يمت للاسلام بصلة فالإسلام دين ودولة ، والمسلمون جميعا امة واحدة تتحقق وحدتها التامة بتحقق الدولة الاسلامية الشاملة وهي وحدة تتطابق فيها معاني الامة والقومية والوطنية حيث لا قومية ولا عالمية بل أخوّة اسلامية .

 

 

 

 

 

 

 

 الاهمية المعرفية لدراسة الهوية

     تنبع الاهمية المعرفية لدراسة الهوية من محاولة إرساء  إطار مفاهيمي ونظري يسمح للباحث بالتعامل مع ظواهر الهويات الجماعية بهدف فهم المجتمع وتفسيره بأكثر مصداقية لطبيعتها وحركتها ، لذلك فان  الطرح المحدد للهوية الجماعية يتجاوزالمستوى النظري الى المستوى العلمي ، فسقوط الاتحاد السوفييتي مثلا ساهم في بروز هويات جماعية تستند الى عوامل لغوية وثقافية ودينية وعرقية وجغرافية ، كما ان الاراء ووجهات النظر تتعدد وتتباين في المسائل المتعلقة  بحياة الجماعة  وخصوصا في قضية انتماء الفرد الى الجماعة ، الا انها  تتفق حول حقيقة واحدة وهي حقيقة بديهية بسبب تشكل العالم في العصر الحديث على أسس قوية مفروغ منها على الوعي الإنساني حاليا. وقد أثبتت التطورات التاريخية ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، ان الانتماء  القومي والاثني والديني من أقوى الانتماءات وأكثرها صمودا، لذلك أثبتت فكرة انصهار الجماعات في بوتقة واحدة فشلها في جميع أنواع الأنظمة السياسية والاجتماعية المعاصرة.  ان الانتماء الى جماعة محددة  يعني ضمنا وجود جماعات اخرى، اي انة لا يمكن ان توجد هوية جماعية معينة، إلا بوجود هويات أخرى، وهذه الحقيقة تؤكد اهمية الحدود  بين الجماعات وخصوصا التي تتشكل على الأسس نفسها ( قومي، اثني، ديني .... الخ) فالفرد يعرف نفسه بطريقة تضعه داخل حدود  جماعة معينة،، لذلك فان دراسة الهوية " القومية ، الاثنية ، ... الخ " هي في جوهرها دراسة حدود الجماعة وتشكّلها اجتماعيا وثقافيا، لهذا السبب فأن الدراسات التي تجري على الهوية الوطنية يجب ان تنطلق في الحالات التي تكون فيها الهوية واضحة ومرئية  او في الحالات التي تكون فيها الهوية غامضة وغير واضحة او مُختلفا حولها . وفي هذه  الحالات يمكن بسهولة ملاحظة الإجراءات المعقّدة  التي من خلالها تتحدد الهوية الوطنية(1) .

 

      ان الهوية الوطنية ذات أهمية حيوية للكيفية التي من خلالها ينتظم العمل السياسي و الاجتماعي ، لذلك فانها تؤثر على القضايا الرئيسية التي تهم السياسات الرسمية ، خاصة فيما يتعلق بالاندماج الاجتماعي او العزل الاجتماعي وهي تهم محتوى الهوية ، لذا فان الإجراءات الأساسية لبناء الهوية الوطنية تتمثل في ادعاء  بهوية وطنية محددة وعزو أنفسهم إليهاويأتي نتيجة لذلك قبول او عدم قبول الادعاء بناء على مؤشرات ومحددات واضحة ويفهمها الناس .

--------------------------------------------------------------------------------------------                                      (1) ناصر احمد كامل، مرجع سبق ذكره    

 

 

 

 

مؤشرات الهوية ودلالاتها

             تعرف مؤشرات الهوية الوطنية على أنها المميزات والخصائص المتعلقة بالانسان والتي يقدمها للآخرين معرفا بها عن هويته ووطنيته ،مختارا ومقررا بحرية تامة ، ومعربا عن انتمائه لجنسيته وهويته ( 1994 – Cohen )  ، كأن يقول الفرد انا مغربي لاني ولدت في المغرب ، او يقول انا سعودي لان أجدادي أتوامن السعودية ،او يقول اخر انا أردني لأني أقيم في الأردن والتزم بالعادات والتقاليد الأردنية ، واخر يقول انا فلسطيني لأني ارتدي اللباس الفلسطيني التقليدي ، وفي مثل هذة الحالات فاننا نلاحظ ان كل شخص قد قدم نفسه وهويته من خلال استخدامه لمؤشرات عديدة .

    وتنشر بعض الدراسات ان للهوية الوطنية مؤشرات ودلالات عديدة وقد تناولها الناس في حياتهم ومن هذه المؤشرات والدلالات للهوية الوطنية (1) .

1.    مكان الولادة .

2.    روابط الأسلاف والأجداد .

3.    الانتماء القبلي .

4.    الالتزام بالعادات والتقاليد والأعراف.

5.    الالتزام بالقوانين الاردنية .

6.    مكان الاقامة.

7.    الالتزام بالزى التقليدي .

8.    طول فترة الاقامة .

9.    الاسماء والألقاب.

10 النشأة والتربية .

11. اللهجة .

12. الشكل والمظهر الخارجي

              وتستعمل تلك المؤشرات للهوية عندما ينظر الناس الى غيرهم ويحاولون  التعبير عن  هويتهم الوطنية عن طريق استخدام هذه المؤشرات كما أنها من الممكن ان تستخدم ضمن الوطن الواحد وبين افراده بهدف تمتين الروابط الوطنية والثقافية وزيادة اللحمة والحس بالهوية الواحدة والمصير المشترك،ومن خلال تحديد هذه المؤشرات التي قد تستخدم جميعها او بعضها ولكنها في النهاية تبقى من الدلالات التي تستخدم للتعبير عن الهوية.وبتحديد تلك المؤشرات والدلالات للهوية، -----------------------------------------------------------------------------------------------------                                   

(1)    غسان منير، معالم ومؤشرات الهوية الوطنية ومقاييسها ، الهويات الوطنية والمجتمع العالمي والإعلام ، دار النهضة العربية، بيروت ،2002 م 

        فان العديد من الأسئلة قد تنشأ حول كيفية استعمال الناس لها وكيفية إدراكهم وتفسيرهم لكل واحدة منها وهنا تنشأ التساؤلات المهمة" هل بعض هذة المؤشرات أكثر دلالة وتفسيرا عن الهوية الوطنية اكثر من غيرها؟؟ ولماذا تستعمل بعض المؤشرات اكثر من غيرها....؟ ، ان المؤشرات المستخدمة في التعبير عن الهوية قد تعامل كمؤشرات ثابتة او متحولة وهذا يختلف من بيئة الى اخرى، ومن وضع الى اخر ، فمكان الولادة والسلالة بالإضافة الى ارتباطه بالمكان ،كما ان اللهجة المحلية والتربية والتنشئة والزي التقليدي غالبا ما تفسر عند الاخرين كمؤشرات ثابتة .

 

ديناميات الهوية والانتماء

       ينتج من تحديد الحدود الفاصلة بين الجماعات بانها حدود اجتماعية وربط معنى التميز واهميته والفروق بينهما بالعامل الإنساني ، أي بالأفراد الذين يكونون الجماعات .  ان الهوية والانتماء هما عمليتان ديناميتان وان هذه الحدود متحركة  قابلة  للتغييرات التي قد تظهر احيانا ، وقد تختفي في احيان اخرى ، الامر الذي يؤشر الى ان الهوية تملك القدرة على التحرك، ويمكن ان تتغير بحسب السياق السياسي والاجتماعي . ويذهب مناصرو فكرة الخيار العقلاني الى ابعد من ذلك ، فيرون ان الفرد يمكن ان يختار الانتماء او عدم الانتماء الى اية جماعة ، لا بل هناك من يعتقد ان الفرد يمكن ان يغير هويته،  او يمكنه ان ينتمي الى عدد من الهويات في الوقت نفسه ،وذلك من منطلق ان الناس يكيّفون افعالهم بحسب السياق والظروف لذلك فان التركيز على إحداها، او بروزها  على حساب الهويات الاخرى ، يمكن ان يتغير حسب السياق والظروف ،وهذا يعني ان الحدود بين الجماعات ،وخصوصا الحدود الثقافية ،تتشكل ويعاد صياغتها وتتطور ويتغير موضعها ، ونحن نعتقد ان هذه الاراء تبالغ في التأكيد على مرونة الحدود وإمكانية الخيار بين بدائل للاعتبارات التالية :

·   ان  التغير الثقافي ليس كافيا لتغيير الانتماءات وخصوصا على مستوى الجماعات ،وهناك حالات كثيرة تثبت ان التأثر الثقافي يشكل سببا في تعزيز الانتماءات ، فضلا عن حالات التثاقف العدائي .

·   يجد  تحويل الانتماء القومي أو الاثني نفسة مكبلا بالقيود البنيوية التي تنتج سياسة النظام ،وتؤدي الى قيام حدود اجتماعية صلبة ثابتة او شبة ثابتة وخصوصا في حالات الصراع .

·   ان تحويل انتماء الفرد لا يعتمد على رغبته وقراراته وإنما يعتمد أيضا على الآخر أي الجماعة التي يرغب في الانتماء إليها ، اما بسبب خوفها من ضياع هويتها الخاصة بها والمميزة لها ،وإما من اجل المحافظة على امتيازات خاصة في توزيع موارد المجتمع .

·   أثبت التاريخ ان الهوية القومية والهوية الاثنية قادرتان على المراوغة والتملص من الضغوط وأنهما قابلتان للصمود والاستمرار على المدى البعيد .

 

        ان هذه الاعتبارات تؤكد  اهمية عدم المبالغة في امكانيات تغير الهوية والانتماء، ولكن في الوقت نفسه يجب عدم المبالغة في التأكيد على ثبات الهوية الى الأبد. و للهوية وجهان : الثابت  والمتغير، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الحالة الأكثر شيوعا وتكراراً هي الثبات والديمومة، وهذا يعني انة يجب ان نعطي أهمية معينة لمصلحة الفرد في التأكيد على الانتماء او التقليل من اهميتة ، لكن لا يمكن اختزال هوية الجماعة ببساطة الى المصالح  والحوافز ، فالجماعات التي تتشكل على اساس  المصالح المشتركة لأفرادها ( الطبقة) تكون حساسة لمصالح الفرد الأنانية وحوافزهم ، على اعتبار ان تشكلها هو عبارة عن تحالف مصالح ،ولذلك فهي قابلة للتفكك والتحلل في حالة اختلاف هذه المصالح(1) ، اما الجماعات التي تتشكل على أسس اثنية او قومية ، أي على فكرة الأصل المشترك والقرابة ، فان عملية تشكلها وتبلورها تأتي بصفتها مختلفة عن الجماعات الأخرى ومتميزة عنها ، وتحتاج الى اجيال طويلة من التفاعل والتبادل والتزاوج ، بحيث يتحول الخيال والوهم ( الأصل المشترك) الى حقيقة ثابتة وبديهية ،وفي هذه الحالة فان الانتماء الى الجماعة يكون انتماء  عاطفيا ،وحقيقة مطلقة لا يطرح الفرد التساؤلات او الشكوك حوله ،مثله مثل العواطف الإنسانية الأخرى ،هذا النوع  من الجماعات هو الأقدر على الثبات والدوام من النوع الاول القائم على المصالح ،ولكن لا يمكن ان نتجاهل حقيقة ان الجماعات قد تشكلت على أساس واحد من الأساسين المذكورين ( الطبقي او الاثني) ،وان كلا منهما مهم بحد ذاته ،ولا يمكن اختزال الواحد للآخر ، او تفسير الواحد بالاخر، ولكن بين هذين الأساسين من الانتماء وتشكل الجماعات هناك علاقة وثيقة ومعقدة لأنهما متداخلان.

الهوية الوطنية الأردنية

       لقد حظي موضوع الهوية الوطنية، باهتمام متزايد وخاصة في السنوات الأخيرة، لما تشكله من اهمية على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والأكاديمية ،حيث ظهرت العديد من الدراسات والكتابات التي تناولت الهوية الوطنية الأردنية، من جوانب مختلفة،وقد ساهمت هذه الدراسات بإلقاء الضوء على جوانب متنوعة ومختلفة في مسألة الهوية الوطنية الأردنية، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى ان بعض هذه الدراسات جانبها الكثير من الصواب اعتمادا على الخلفيات السياسية والأيدلوجيه لكتّابها ،سواء من خلال التركيز على البعد الفلسطيني في الهوية الأردنية، دون الإشارة إلى البعد الاردني في تجربتة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو إغفال العناصر المتنوعة  التي ساهمت في تشكيل الهوية الأردنية، بالإضافة الى اغفالها للعناصر المكونة للهوية الاردنية وتركيزها فقط على البعد  القبلي للهوية

-------------------------------------------------------                                     (1) عزيز حيدر، دور المقاومة الثقافية في صياغة الهوية الجماعية ،مجلة المستقل، العدد205، اذار،1996

 

 

      كما ان هذه الدراسات اغفلت البعد التاريخي في تكوين الهوية الاردنية سواء ما قبل تأسيس الامارة او بعدها، او مرحلة بناء الدولة الحديثة ووحدة الضفتين  الا ان هذه الدراسات تبقى محاولات لدراسة الهوية الاردنية من زوايا محتلفة وقد ساهمت في تأسيس اطار نظري مهم  ووفرت  مرجعيات متنوعة في دراسة الهوية الوطنية(1).

               والهوية الوطنية الأردنية ،كغيرها من الهويات، تنطوي بالأساس على معان ودلالات رمزية وثقافية وجماعية تعطي الفرد إحساسا بالانتماء إلى الجسم الأكبر، وتخلق لديه الاعتزاز بهذا الجسم الكبير، وهذه وظيفة مهمة للهوية الوطنية بالإضافة الى فعالية الدولة التي تحتضن الهوية، وتوفرها للدفاع عن أرضها ومجتمعها أو في تنميتها الشاملة ،وإشباع الحاجات الأساسية لمواطنيها، وإقرار مبدأ العدالة للمواطن، وهذا المفهوم يشير  الى وجود بعد ذاتي وبعد جمعي للهوية ،وبعد آخر مرتبط بالدولة والسكان على حد سواء ، (2) فالهوية الوطنية هي نتاج اجتماعي  ثقافي تاريخي عام وتمثل علاقة متكاملة، وتغطي مدى واسعا للتصنيف والتنظير ، وتعطي الناس شعورا بأنهم مرتبطون ببعضهم برابط محدد وتتجاوز أحيانا كل الو لاءات الطبقية ،لذلك فان دراسة  الأفكار المتعلقة بالهوية  الوطنية والوطن  تحتاج إلى إن تأخذ بالحسبان المعطيات والافتراضات الطبيعية بحيث تكون نظرتنا للعالم اكثر شمولا ، ذلك أنه في اغلب الأحيان يدور التساؤل حول لماذا  تحمل الأفكار والمعطيات المتعلقة بالوطن والهوية الوطنية الاتجاهات المعروفة عند اغلب المواطنين، ولفهم الهوية الوطنية  علينا طرح العديد من التساؤلات، لماذا يعتبر  الدفاع عن الوطن والهوية الوطنية امراً واجبا وطبيعيا ؟  ولماذا يعتبر الافتخار بالهوية الوطنية والانتماء اليها والتغني بها امر مهم؟ انه وبقدر ما  هذه التساؤلات مهمة، وبقدر ما الإجابة عليها أمر مهم ايضا، لانها تتعلق بالوعي وبالاعتقاد الراسخ في العقل البشري سواء كان واعيا او غير واع ، قد تبدو الإجابة مرتكزة على مدى الاعتقاد بوجود الكيان السياسي الذي نطلق عليه اسم الوطن والاعتقاد بوجوده والذي يجمع كافة الأفراد الذين يعيشون به ويؤدي الى تدعيم  الشعور بالانتماء الى فكرة الكيان السياسي والاجتماعي والجغرافي  للوطن ، وبالتالي يحرك المشاعر والعواطف والأحاسيس   نحوه ، ويجعل من الفرد قادرا على تحريك مكانته  الشخصية وهويته(3).

 

          

-------------------------------------------------------------------------------------------------------                                (1) موسى شتيوي ، الاندماج الاجتماعي وتطور الهوية الوطنية الاردنية،ورقة عمل غير منشورة ،عمان

(2)ناصر احمد كامل،مرجع سابق

(3)علي الطراح،الاوطان والهويات الوطنية: إشكالية علاقة الناس بالاوطان،بحث منشور في كتاب " الهويات الوطنية والمجتمع العالمي والاعلام" ،دار النهضة العربية،بيروت،2002

 

 

 

          ونتيجة لتلك الاحاسيس والمشاعر يصبح الوطن كفكرة قد تشكلت، فالناس يتعلمون تاريخ وطنهم ولكنهم باستطاعتهم نسيان هويتهم الوطنية وتذكرها من حين الى اخر، وبمقدورهم ايضا التعبير عنها، فهذه الإجراءات والمفاهيم سواء من التعلم  الى النسيان الى التذكر الى التعبير تشير بوضوح الى ان مفهوم الوطن  السياسي اي الدولة او الوطن قد انتقل  من فكرة ومفهوم مجرد الى مادة مشكّلة وكأنها محسوسة ، فهي ليست مجرد ارض ذات حدود او سيادة  او نظام حكم  اونظم اجتماعية او تراث او ذكريات او ماضي بل هي جميع ذلك وهذا ما يدفعنا للتعامل مع الوطن كشيء موجود اعلى من وضعنا الشخصي كأفراد وابعد مما  ننظر إليه (1).

        ان الهوية الوطنية لا تظهر هكذا من فراغ، بل تظهر بشكل طبيعي تلقائي، ذلك ان الدراسات العديدة اشارت الى ان الهوية الوطنية تعتمد على الكثير من الإجراءات المؤسساتية لنشأتها وظهورها ووجودها، فالإجراءات المؤسساتية تؤكد وتظهر بوضوح ماهية الهوية الوطنية ، وكيف تتشكل حيث ان المؤسسات ونظمها لا تتكون ولا تتشكل ولا تنتظم الا من خلال الفكرة الجمعية للوطن، حيث سيصبح الوطن موئلا نفسيا وروحيا واجتماعيا ، بالإضافة إلى كونه بقعة جغرافية ذات مواصفات محددة .  ان الامر الجوهري الذي يستحق الاهتمام والانتباه هو كيف ان المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالهوية الوطنية  تستعمل من قبل الناس المندمجين في الهوية الوطنية وكيف يعبرون عن أنفسهم امام ذاتهم وأمام الاخرين . واذا استطعنا فهم ماذا تعني الهوية الوطنية لافراد المجتمع فإن ذلك يفرض علينا كيف نوجه اهتمامنا كباحثين ودارسين باتجاه تحليل هذة الاجراءات التي من خلالها تصبح الهوية الوطنية أمرا طبيعيا كما هو موجود في العقل الجمعي للناس. وتمتاز الهوية الوطنية الاردنية بانها هوية تقوم على التنوع، والتنوع في الهوية منبثق من تركيبة النسيج الاجتماعي للمجتمع الاردني ، فالمجتمع الاردني يحتوي على مزيج  من الفئات الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل الهوية الوطنية . هذه المكونات الاجتماعية يمكن تقسيمها الى:-

1.    اردنييون من أصول شرق أردنية .

2.    اردنييون من اصول فلسطينية.

3.    اردنييون من اصول شركسية وشيشانية.

4.    المسيحيون الأردنيين

5.    اردنييون من اصول عربية،سورية ،حجازية.... الخ .

6.    اردنييون  من الأقليات الأخرى ( دروز، أكراد، ......الخ)

--------------------------------------------------                                (1) علي الطراح، المرجع السابق

 

     وقد ساهمت هذه المكونات جميعها في تشكيل الهوية الوطنية ،بالرغم من ان تأثير ومساهمة الأردنيين من اصول فلسطينية بشكل اكبر من الفئات الاخرى،  في الهوية الوطنية، نتيجة للبعد الجغرافي ونتيجة ايضا للتشابك العلائقي مع الأردنيين من أصول شرق أردنية وبصورة تلقائية وطوعية والوحدة السياسية والبعد القومي..

 

تطور الهوية الاردنية

     يبدو ان الحديث عن تطور الهوية الوطنية يدفعنا الى الحديث عن تطور الدولة الاردنية وذلك لارتباط الهوية بالتطور السياسي التاريخي لمسيرة الدولة منذ تأسيس الإمارة لانه في الفترة التي سبقت ذلك كانت المنطقة العربية جميعها تحت الاحتلال العثماني وكانت الهوية السائدة انذاك الهوية العربية التي تسعى الى الاستقلال عن الدولة التركية، وحين تأسست إمارة شرق الاردن في بداية العشرينيات من القرن الماضي وحتى بداية الخمسينيات من الفترة نفسها كانت المهمة الاساسية والاولوية لنظام الحكم هي التوحيد الجغرافي والاجتماعي من خلال تثبيت الحدود الجغرافية واستكمال فرض سيطرة الدولة المركزية .

           اما فترة الوحدة وتغير الحدود السياسية والجغرافية للاردن فلم تؤدِ الى ظهور هوية سياسية جديدة راسخة ويُعزى ذلك الى اسباب عديدة من اهمها هيمنة وسيادة الفكر القومي الذي كان يتجاوز الدولة القطرية ويركز على الانتماء للهوية العربية ،ثم ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية في اوساط الفلسطينيين واحتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967 ، وقد شكّلت تلك الاحداث إشكالية حقيقية واجهت الهوية الوطنية رافقها قدوم اعداد كبيرة من النازحين الفلسطينيين الى الاردن وظهور حركات المقاومة الفلسطينية للاحتلال واستمرار ارتباط الضفة الغربية بالأردن قانونيا والوحدة  بين الضفتين من جهة، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني من جهة اخرى(1).

     

 

 

--------------------------------------------------------                           

(1) موسى شتيوي ، مرجع سابق

 

 

 

       إن هذه الأحداث المتسارعة أسهمت في ظهور هوية أردنية وكأنها في حالة صراع مع الهوية الفلسطينية وانعكست على الشعور الذاتي والشعبي للأردنيين من أصول شرق أردنية، والأردنيين من أصول فلسطينية تجاه نظرتهم لأنفسهم وللآخرين ، وهذه الأحداث أدت إلى نوع من التشابك والتداخل بين الهويتين وأدت إلى نشوء الانطباعات السلبية بين الطرفين ، كما أن الأحداث الاقتصادية أسهمت الى حد كبير في حالة المشاعر المتناقضة،وهذه الأحداث السياسية والاقتصادية بمجملها أسهمت في ايجاد هوية وطنية أردنية أصبحت اكثر ارتباطا بالانتماء  والولاء للنظام السياسي الذي يشكل مصدر توافق من الطرفين الى حد كبير. وتخلصت الهوية الى حد كبير من الانتماءات التي كانت تقوم على أسس جغرافية وعشائرية(1)

 

 

       ان التطورات التي اصابت العالم العربي وظهور الدول القطرية كحقيقة واقعية ، وانتشار التعليم وسن سياسة حكومية تحاول تطبيق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص نتيجة لحالة الاندماج الاجتماعي بين كافة فئات المجتمع الاردني بالإضافة الى التركيبة الديمغرافية للمجتمع الاردني الذي يعد مجتمعا فتيا ، تطور الهوية الوطنية لتصبح هوية جامعة الى حد كبير لكافة فئات المجتمع مع ظهور بين الفينة والأخرى محاولات للتأثير على هذه الهوية الجامعة، فأصبح هناك مستوى عال من الاندماج الاجتماعي، ومما ساعد على ذلك ما تتصف به الهوية الأردنية باعتبارها هوية جامعة وتقبل التنوع على المستوى الداخلي ، الا ان الهوية الوطنية الاردنية حتى تكتمل تبقى تنتظر مستقبل العملية السلمية الدائرة الان بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي .

ماذا بعد .... ؟؟

         ان الهوية الوطنية لا شك تواجة العديد من الإشكاليات المتشابكة نتيجة للظروف السياسية  بالدرجة الاولى ، بالإضافة إلى ضعف مستوى الاندماج  الاجتماعي ، الذي يظهر أحيانا ، إلا انه لا بد من حل كافة الاشكاليات التي تواجه الهوية الوطنية و أصبحت ضرورة وطنية ملحة وشرطا اساسيا لبناء الدولة الحديثة وعاملا مهما لمساعدة الدولة على مواجهة الانفتاح الاعلامي المتزايد وعولمة العالم بشكل يتجاوز حدود الدولة . مع ان بعض الباحثين والدارسين يرى ان حل هذه الاشكاليات يبقى مرهونا بجل القضية الفلسطينية وانتهاء العملية السلمية، الا  ان ذلك لا يمنع من قيام الدولة بمجموعة  من السياسات منها :

 

--------------------------------------------------------                                 (1) موسى شتيوي ، مرجع سابق.

1. العمل على بناء هوية وطنية أردنية تقوم على التراث الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي أنتجته كافة الفئات الاجتماعية المشكّلة للبناء الاجتماعي الاردني والذي تراكم عبر السنوات الطويلة، ودمجه على أساس التجربة المشتركة الايجابية لكافة الفئات .

2. سياسات حكومية تقوم على مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون وبناء المؤسسات والابتعاد عن الفئوية والجغرافية .

3. دمج مفاهيم الهوية الوطنية الجديدة في مناهج التربية الوطنية والمدنية على مستوى التعليم الأساسي والثانوي والجامعي.

4. وضع سياسات تساعد على رفع مستوى الاندماج الاجتماعي لكافة فئات المجتمع الأردني .

5. إبراز التنوع في التراث الاردني واعتباره مصدر إثراء لدعم مسيرة بناء الدولة الاردنية الحديثة .

6. تعميق التجربة الديمقراطية  باعتبارها تجربة تساعد على تحقيق مبدأ العدالة وتعمق المشاركة لكافة المواطنين .